الْكِتَابُ الثَّانِي

***

الأرْكَانُ الْخَمْسَةُ لِلإِسْلَامِ:

رُؤْيَةٌ عِلْمِيَّةٌ لِلْعِبَادَاتِ الْمَفْرُوضَةِ

***

تَألِيف

حَسَن عَلِي النَّجَّار

1445 \ 2024

***

الْفَصْلُ الْخَامِسُ

***

الْحَجُّ

إلَى أوَّلِ بَيْتٍ للهِ عَلَى الأرْضِ

***

أعوذُ باللهِ منَ الشيطانِ الرجيم

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ

 

وَلِلَّـهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا (آلُ عِمْرَانَ ، 3: 97). 

مُقَدِّمَةٌ

يُمَثِّلُ الحجُّ إلى بيتِ اللهِ الحرامِ ، في مكةَ المكرمةِ ، العبادةَ الخامسةَ التي فرضَها اللهُ ، سبحانهُ وتعالى ، على المسلمينَ ، بعدَ الشهادتينِ والصلاةِ والزكاةِ وصومِ رمضان. وهوَ رحلةٌ في سبيلِ اللهِ أولاً ، يَترُكُ فيها الحاجُ كلَّ شيءٍ ينتمي إليهِ في هذهِ الحياةِ وراءَ ظهرِهِ ، قاصداً وجهَ اللهِ الكريمِ وحدَهُ ، ليكونَ ضيفاً على الرَّحْمَـٰنِ في بيتِهِ. وبالتالي ، فإنَّهُ يعودُ مِنْ هذهِ الرحلةِ بالسعادةِ التي لا يُماثلُها شيءٌ في هذهِ الدُّنيا ، وبالفوزِ برضى اللهِ ونعيمِهِ المقيمِ في الآخِرَةِ. كما أنَّ الحجَ يُمَثِّلُ مؤتمراً عالَمياً للمسلمينَ ، يلتقونَ فيهِ ممثلينَ لشعوبِ الأرضِ قاطبةً ، بما في ذلكَ مُختلفِ الجماعاتِ العنصريةِ والثقافيةِ ، مُلَبِينَ لدعوةِ اللهِ بزيارةِ بيتِهِ ، وشاكرينَ لهُ نِعَمِهِ التي لا تُحصى ، وطائعينَ لأوامرِهِ للتعارفِ بينَهم ، وعلى معاملةِ بعضِهِم البعضِ بالحبِّ والرعايةِ والتسامحِ ، كما جاءَ في الآيةِ الكريمَةِ 13 مِنْ سورةِ الْحُجُرَاتِ (49) ، إذْ لا فضلَ لأحدِهِم على الآخَرَ إلا بالتقوى ، كما علَّمنا الحديثُ الشريفُ.

يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّـهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّـهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (الْحُجُرَاتُ ، 49: 13).

وعن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ ، رضيَ اللهُ عنهُ ، أنهُ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ، صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم: "يا أيها الناسُ! إنَّ ربَّكم واحدٌ ، و إنَّ أباكم واحدٌ ، ألا لا فضلَ لعربيٍّ على عجميٍّ ، و لا لعجميٍّ على عربيٍّ ، و لا لأحمرَ على أسودَ ، و لا لأسودَ على أحمرَ ، إلا بالتقوى. إنَّ أكرمَكم عندَ اللهِ أتقاكُم." [1]

وَالْحَجُّ فريضةٌ تؤدَّى مَرَّةً واحدةً في حياةِ المسلمِ البالغِ العاقلِ ، والمستطيعِ مالياً وجسدياً. ولذلكَ ، يقومُ بالحجِّ عدةُ ملايينَ مِنَ المسلمينَ في كلِّ عامٍ ، مُلَبِّينَ لدعوةِ اللهِ ، عزَّ وجل ، ومؤدينَ لفريضتِهِ ، ومتذكرينَ لقصةِ رسولِهِ إبراهيمَ ، عليهِ السلامُ ، الذي تركَ زوجتَهُ هاجرَ وابنَهُ إسماعيلَ ، عليهِما السلامُ ، عندَ بيتِ اللهِ الحرامِ ، ثُمَّ دعا ربَّهُ أنْ يهدِيَ أفئدةً مِنَ الناسِ لتهوي إليهِم ، كما جاءَ في الآيةِ الكريمةِ 14: 37. وهكذا ، ففريضةُ الحَجِّ هيَ جزءٌ مِنِ استجابةِ اللهِ ، سبحانهُ وتعالى ، لدعاءِ إبراهيمَ ، عليهِ السلامُ.

رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (إبْرَاهِيمُ ، 14: 37).

وعلى الأخصِّ ، يتذكرُ حُجاجُ بيتِ اللهِ الحرامِ قصةَ إبراهيمَ وابنِهِ الذبيحِ إسماعيلَ ، عليهِما السلامُ. فقد رأى إبراهيمُ في المنامِ أنهُ يذبحُ ابنَهُ ، وكانَ ذلكَ امتحاناً مِنَ اللهِ ، سبحانهُ وتعالى ، لرسولِهِ ولآلِ بيتِهِ. وقد صدَّقَ إبراهيمُ الرؤيا ، أي أنهُ نجحَ في امتحانِ اللهِ لهُ ، مِنْ خلالِ طاعتِهِ للهِ ، عزَّ وجل ، ورفضِهِ لوسوسةِ الشيطانِ الرجيم. وبمجردِ وضعِهِ للسكينِ على رقبةِ ابنهِ ، طاعةً للهِ ، جاءَهُ جبريلُ ، عليهِ السلامُ ، ببشرى نجاحِهِ في الامتحانِ ، وأعطاهُ ذِبحاً عظيماً ليذبحَهُ بدلاً عن ابنِهِ ، كما تخبرُنا الآياتُ الكريمةُ (37: 102-107).

فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَىٰ ۚ قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ۖ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّـهُ مِنَ الصَّابِرِينَ ﴿١٠٢﴾ فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ ﴿١٠٣﴾ وَنَادَيْنَاهُ أَن يَا إِبْرَاهِيمُ ﴿١٠٤﴾ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا ۚ إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ﴿١٠٥﴾ إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ ﴿١٠٦﴾ وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ ﴿١٠٧﴾ (الصَّافَّاتُ ، 37: 102-107).

ثُمَّ قامَ إبراهيمُ وإسماعيلُ ، عليهِما السلامُ ، بإعادةِ بناءِ الكعبةِ المشرَّفةِ ، كأولِ بيتٍ للهِ وُضِعَ للناسِ على الأرضِ ، لتصبحَ مَحجاً للمسلمينَ وقِبلةً لهم في صلواتِهِم ، ومركزاً لطوافِهِم. وبالإضافةِ إلى ذلكَ ، فإنَّ مناسكَ الحجِّ تشتملُ على التواجدِ للعبادةِ في مِنىً وعرفاتٍ والمزدلفةِ. [2] 

***

أوَّلاً ، الْحَجُّ: الرُّكْنُ الخَامِسُ فِي الإسْلَامِ

أخبرَنا اللهُ ، سبحانهُ وتعالى ، في الآياتِ الكريمةِ 51: 56-58 مِنَ القرآنِ الكريمِ بأنهُ لم يَخْلُقْ الجنَّ والإنسَ إلا لِيَعبدوهُ ، لا لِيُطعموه أو يُرزِقوهُ ، لأنهُ هوَ الرزاقُ ، ذو القوةِ المتين.

وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴿٥٦ مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ ﴿٥٧ إِنَّ اللَّـهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ ﴿٥٨ (الذَّارِيَاتُ ، 51: 56-58). 

فما الذي يُرِيدُهُ اللهُ ، تَبارَكَ وتعالى ، مِنْ عبادتِنا لَهُ؟

إذا ما فكرنا في العباداتِ الخمسِ التي فرضَها اللهُ على المسلمينَ ، فإننا نجدُ أنها جميعاً تعودُ عليهِم بفوائدَ جمةٍ مِنْ شأنِها أنْ تجعلَهُم على أفضلِ حالٍ ، جسدياً وروحياً ، كأفرادٍ وأسرٍ ومجتمعاتٍ ، وكجنسٍ بشريٍ أيضاً. وهكذا ، فهيَ عباداتٌ لأنها تمثلُ الطاعةَ للخالقِ العظيمِ ، ولكنها في نفسِ الوقتِ خيرٌ للبشرِ في حياتِهِم الدُّنيا ، كما أنها خيرٌ لهم في الآخِرةِ ، حيثُ يُكافؤونَ على طاعتِهِم للهِ ، بالحياةِ الأبديةِ في الجنةِ.

وذلك يعني أنَّ اللهَ ، سبحانهُ وتعالى ، يريدُ لنا أنْ نُطيعَ أوامرَهُ بأداءِ العباداتِ التي فرضَها علينا ، لأنَّ ذلكَ مِنْ مصلحتِنا ولخيرِنا. فهوَ الغنيُ الذي لا يحتاجُ إلى عبادتِنا لهُ ، ولا يستفيدُ مِنها. لكنهُ ينالُهُ التقوى والرضى مِنْ عبادِهِ ، عندما يستجيبونَ لهُ ، ويطيعونَهُ باختيارِهِم ، كما أوضحَ لنا في الآيتينِ الكريمتينِ 22: 37 و 29: 6.

لَن يَنَالَ اللَّـهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَـٰكِن يَنَالُهُ التَّقْوَىٰ مِنكُمْ ۚ كَذَٰلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّـهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ ۗ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ (الْحَجُّ ، 22: 37).  

وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ ۚ إِنَّ اللَّـهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (الْعَنْكَبُوتُ ، 29: 6).

***

ثَانِيَاً ، الآيَاتُ الْكَرِيمَةُ ذَاتُ الصِّلَةِ بِفَرِيضَةِ الْحَجِّ

أمرَ اللهُ ، سُبحانَهُ وتعالى ، المستطيعينَ مِنَ المسلمينَ ، بالحَجِّ إلى الكعبةِ المشرفةِ ، بيتِهِ الحرامِ في مكةَ المكرمةِ ، وهوَ أولُ بيتٍ وُضِعَ لعبادةِ اللهِ على الأرضِ ، كما تذكرُ لنا الآيتانِ الكريمتانِ 3: 96-97.

إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ ﴿٩٦ فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ ۖ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا ۗ وَلِلَّـهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ۚ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّـهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ ﴿٩٧﴾ (آلُ عِمْرَانَ ، 3: 96-97). 

وتشيرُ الآيةُ الكريمةُ 22: 26 إلى أنَّ هذهِ العبادةُ كانتْ مفروضةً مِنْ قبلُ ، حيثُ أمرَ اللهُ ، سبحانهُ وتعالى ، إبراهيمَ ، عليهِ السلامُ ، بتطهيرِ بيتِهِ ، تمكيناً للحُجاجِ مِنَ الصلاةِ والطوافِ حولَ الكعبةِ المشرَّفةِ آمنينً. وتتضمنُ الآياتُ الكريمةُ 22: 27-29 أمْرَ اللهِ ، سبحانهُ وتعالى ، لرسولِهِ الكريمِ ، مُحَمَّدٍ ، عليهِ أفضلُ الصلاةِ والسلامِ ، وللمسلمينَ مِنْ خلالِهِ ، بأداءِ فريضةِ الحَجِّ ، النافعةِ لهم في دُنياهُم (مِنْ مأكلٍ وتجارةٍ وتعارفٍ) وأُخراهُم (مِنْ رِضى اللهِ عليهِم ومكافأتِهِ لَهُم).

 وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَن لَّا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ ﴿٢٦ وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ ﴿٢٧ لِّيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّـهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ ۖ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ ﴿٢٨ ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ ﴿٢٩  (الْحَجُّ ، 22: 26-29). 

وفي مَعْرِضِ تفسيرِهِ للآيةِ الكريمةِ 22: 28 ، ذَكَرَ ابنُ كَثيرٍ أنَّ على المسلمينَ عامةً ، والحُجاجِ بشكلٍ خاصٍ ، أنْ يُكْثروا مِنْ ذِكرِ اسمِ اللهِ وتعظيمِهِ وحمدِهِ ، خلالَ العشرةِ أيامٍ الأولى مِنْ شهرِ ذي الْحِجَّةِ. وأضافَ بأنَّ "أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ" إشارةٌ إلى مُدَّةِ الْحَجِّ ، التي تبدأُ بالوقوفِ بعرفه ، ثُمَّ يومِ الحَجِّ الأكبرَ (العيدِ) ، ويومينِ إلى ثلاثةِ أيامٍ بعدَهُ.

أمَّا بالنسبةِ للإشارةِ إلى " بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ ۖ " ، التي ذُكِرَتْ في الآيةِ الكريمةِ 22: 28 ، يوردُ ابنُ كثيرٍ أحاديثَ شريفةً وأقوالاً للصحابةِ الكرامِ ، تُجمِعُ كلُّها على أنَّ الهدفَ هوَ إطعامُ الناسِ ، بما في ذلكَ الحُجاجِ أنفسِهِم ومعارفِهِم والفقراءِ أيضاً ، أي أنَّ هذهِ الآيةُ الكريمةُ تَحُضُّ على توزيعِ لحومِ الحيواناتِ المذبوحةِ أثناءَ الحَجِّ ، بأيِّ طريقةٍ ممكنةٍ. وهكذا ، فإنَّ نَحْرَ الحيواناتِ في الْحَجِّ يَهدُفُ إلى فائدةِ عبادِ اللهِ ، مثلما هوَ الحالُ في العباداتِ الأُخرى ، كما تَمَّ تفصيلُهُ في الفصلِ الثامنِ مِنْ هذا الكتابِ (العَلَاقَةُ مَا بَيْنَ النَّوَاحِي الرُّوحِيَةِ وَالْجَسَدِيَّةِ فِي التَّعَاليمِ الإسْلَامِيَّةِ).

فبإمكانِ الحاجِّ الاحتفاظَ بنصفِ الذبيحةِ والتصدقِ بنصفِها الآخَرَ على الفقراءِ ، كما جاءَ في الآيةِ الكريمةِ 22: 28. كما أنَّ بإمكانِهِ الاحتفاظَ بثلثِها ، والتصدقَ بِثُلُثِها "للقانعِ" ، أي للمعارفِ والجيرانِ الذينَ لا يسألونَ ، والثُّلُثِ الأخيرِ "للمعترِّ" أي للفقراءِ الذينَ يسألونَ ، بحسبِ تفسيرِ الْقُرْطُبِيِّ للآيةِ الكريمةِ 22: 36.

وقد فَسَّرَ الطبريُّ الآيةَ الكريمةَ 22: 29 بأنها تشتملُ على مناسِكَ الحَجِّ التي أُخذتْ عَنْ رسولِ اللهِ ، صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، والتي تشملُ الوقوفَ بعرفةٍ ومزدلفةٍ ، وذبحَ الحيواناتِ وقصَّ الشعرِ والأظفارِ ورميَ الجمراتِ والطوافَ بالكعبةِ المشرَّفةِ.

واتفقَ المفسرونَ الثلاثةُ على أنَّ وصفَ بيتِ اللهِ الحرامِ "بالعتيقِ" إشارةٌ إلى قِدَمِهِ ، لأنهُ كانَ أولُ بيتٍ وُضِعَ لعبادةِ اللهِ على الأرضِ ، لكنهم أضافوا أيضاً أنَّ اللهَ ، سبحانهُ وتعالى ، وصَفَهُ بذلكَ لأنهُ أعتقهُ مِنْ حُكْمِ الجبابرةِ.

***

ثَالِثَاً ، مَكَارِمُ الأخْلاقِ فِي الْحَجِ

مِنْ أجملِ ما يَشتملُ عليهِ الحَجُّ التأكيدُ على مُمارسةِ مكارِمِ الأخلاق بينَ حُجاجِ بيتِ اللهِ الحرامِ ، وهيَ المكارمُ التي تنصُّ عليها أوامرُ اللهِ ، سبحانَهُ وتعالى ، وسُنَّةُ رسولِهِ الكريمِ ، عليهِ الصلاةُ والسلامُ. وتنبعُ أهميةُ ذلكَ مِنْ حقيقةِ أنَّ هناكَ ملايينَ الحُجاجِ الذين يتواجدونَ في مكةَ المكرمةِ خلالَ أيامِ الحَجِّ ، الأمرُ الذي يُحَتِّمُ عليهِم مُمارسةً مكارِمِ الأخلاقِ الإسلاميةِ ، حتى يُكْمِلُوا شعائرَ حِجهِم في يسرٍ ومحبةٍ وتسامح.

وقد جاءَ التأكيدُ على مكارِمِ الأخلاقِ في الآياتِ الكريمةِ 2: 197-202 ، التي تتضمنُ توجيهاتِ اللهِ ، سبحانهُ وتعالى ، للحُجاجِ بالامتناعِ عَنِ الرَّفَثِ (أي الجِماع وفُحشِ الأقوالِ والأفعال) والْفُسُوقِ (أي ارتكابِ المعاصي) والجدالِ. وتتضمنُ الآياتُ أيضاً الْحَثَّ على عملِ الخيرِ ، والإكثارِ مِنَ الاستغفارِ ، وَذِكْرِ اللهِ ، والدعاءِ إليهِ ، ليمنحَهم حياةً طيبةً في الدُّنيا والآخِرَةِ.

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ

الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ ۚ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ ۗ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّـهُ ۗ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰ ۚ وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ ﴿١٩٧ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُوا فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ ۚ فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّـهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ ۖ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ ﴿١٩٨ ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّـهَ ۚ إِنَّ اللَّـهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴿١٩٩ فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّـهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا ۗ فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ ﴿٢٠٠ وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴿٢٠١ أولَـٰئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَّا كَسَبُوا ۚ وَاللَّـهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴿٢٠٢ (الْبَقَرَةُ ، 2: 197-202).  

كما جاءَ التأكيدُ على أهميةِ التحلي بمكارمِ الأخلاقِ ، بصفةٍ عامةٍ ، في الحديثِ الشريفِ الذي رواهُ أبو هُريرةَ ، رضيَ اللهُ عنهُ ، والذي قالَ فيهِ أنَّ رسولَ اللهِ ، صلى اللهُ عليهِ وسلمَ ، قالَ: "إنَّما بعثتُ لأتمِّمَ مَكارِمَ الأخلاقِ." [3]

وتأكدَ ذلكَ أيضاً في البُشرى التي ذكَرَها النبيُ ، صلى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ ، للحُجاجِ بغفرانِ ذنوبِهِم ، إذا ما خلا حِجُّهُم مِنَ الرَّفَثِ والْفُسُوقِ. فعنْ أبي هُريرةَ ، رضيَ اللهُ عنهُ ، أنَّهُ قالَ: سَمِعْتُ النبيَّ ، صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ ، يقولُ: "مَن حَجَّ لِلَّهِ فَلَمْ يَرْفُثْ ، ولَمْ يَفْسُقْ ، رَجَعَ كَيَومِ ولَدَتْهُ أُمُّهُ." [4]

وعَنْ جابرٍ بنِ عبدِ اللهِ ، رضيَ اللهُ عنهُ ، أنَّهُ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ، صلى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ: "الحجُّ المبرورُ ليسَ له جزاءٌ إلا الجنةَ." قالوا يا نبيَّ اللهِ ما الحجُّ المبرورُ؟ (وما بِرُّهُ؟). قالَ: "إطعامُ الطعامِ وإفشاءُ السلامِ." [5]

***

رَابِعَاً ، حِجَّةُ الْوَدَاعِ

كانَ فتحُ مكةَ في العشرينَ مِنْ شهرِ رمضانَ ، مِنَ العامِ الثامنِ للهجرة. وفي العامِ التالي ، أرسلَ النبيُ ، عليهِ الصلاةُ والسلامُ ، أبا بكرٍ أميراً للحَجِّ ، على رأسِ حوالي ثلاثمائةٍ مِنَ الحُجاج المسلمين. ثُمَّ قامَ النبيُّ ، عليهِ الصلاةُ والسلامُ ، بالحَجِّ لأولِ وآخِرِ مرةٍ في العامِ العاشرِ للهجرةِ. ولذلكَ أسماها المسلمونَ حِجَّةَ الوَداعِ. وأثناءَ وقوفِهِ بعرفاتٍ ، ألقى على المسلمينَ خطبتَهُ الشهيرةِ. وبعدَها ، أي في عشيةِ يومِ الْجُمُعَةِ ، التاسعِ مِنْ ذي الْحِجَّةِ ، وهو ما زالَ في عرفاتٍ ، نزلتْ عليهِ آيةٌ مِنْ أعظمِ آياتِ القرآنِ الكريمِ ، ألا وهيَ الآيةُ الكريمةُ 5: 3 ، التي أعلنتْ اكتمالَ دينِ اللهِ ، سُبْحَانَهُ وتعالى ، وذلكَ بتمكينِ المسلمينَ مِنَ الْحَجِّ ، بعدَ فتحِ مَكَةَ. كما تضمنتْ الإعلانَ عَنْ تمامِ نِعمةِ اللهِ على البشريةِ ، بإكمالِ دينِهِ لها ورِضَاهُ عنهُ. وماتَ خاتَمُ الأنبياءُ والمرسلينَ ، عليهِ الصلاةُ والسلامُ ، بعدَ ذلكَ بواحدٍ وثمانينَ يوماً.

الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا  (الْمَائِدَةُ ، 5: 3).

واشتملتْ خُطبةُ النبيِ ، عليهِ الصلاةُ والسلامُ ، التي ألقاها في حِجَّةِ الوَداعِ ، على مُلَخصٍ لأهمِّ مبادئِ الشريعةِ الإسلاميةِ ، وحقوقِ الإنسانِ ، ومكارمِ الأخلاقِ ، التي تسمو بالبشريةِ إلى المكانةِ الرفيعةِ التي أرادَها اللهُ ، سبحانَهُ وتعالى ، لها.

فقد حثَّ فيها ، عليهِ الصلاةُ والسلامُ ، على حُرُمَةِ الدماءِ والأموالِ ، وأداءِ الأماناتِ لأصحابِها ، والنهيِ عَنِ الرِّبا ، وإنهاءِ الثأرِ ، وعدمِ الاستماعِ للشيطانِ في صغائرِ الأمورِ وكبائِرِها ، والالتزامِ بطاعةِ اللهِ فيما حَلَّلَ وما حَرَّمَ. كما بينَ أهمَّ أسسِ العلاقةِ بينَ الرجالِ والنساءِ ، وأمرَ الرجالَ بمعاملتهنَ بالحُسنى ، وركزَ على الاعتصامِ بكتابِ اللهِ وسُنةِ رسولِهِ. وختمَهَا بالتأكيدِ على أنَّ المسلمينَ أخوةٌ ، فلا ينبغي أنْ يعتدي أحدُهُم على الآخَرَ أو أنْ يأخذَ منهُ أياً مِنْ ممتلكاتِهِ بالقوةِ. [6]

***

خَامِسَاً ، مَنَاسِكُ الْحَجِ

يَقُومُ حُجَّاجُ بيتِ اللهِ الحرامِ بأداءِ العديدِ مِنَ المناسكِ ، التي أخذوها عِنْ رسولِ اللهِ ، صلى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ. فقبلَ دخولِهِم لِمكةَ المكرمةِ ، يرتدي الذكورُ منهُم ملابسَ الإحرامِ ، التي تُساوي بينَهم في المظهرِ ، استعداداً للقيامِ بهذهِ العبادةِ الجليلةِ. وعندَ وصولِهِم إلى بيتِ اللهِ الحرامِ ، فإنهم يُحَيونَ الكعبةَ المشرفةَ بطوافِ القدومِ ، الذي يَتَكَوَّنُ مِنْ سبعةِ أشواطٍ ، مِنَ الدَّوَرَانِ حولَها بحيثُ تكونُ على يسارِهم ، أي أنهم يطوفونَ بها على عكسِ عقاربِ الساعةِ. وذلكَ يتمشى مع قانونِ الحركةِ في الكونِ ، كما هو الحالُ في دورانِ الكواكبِ ، بما فيها الأرضِ ، حولَ نفسِها وحولَ الشمسِ ، وطوافِ النجومِ وكواكبِها حولَ مراكزَ المجراتِ ، وكذلك دورانِ المجراتِ باتجاهٍ معاكسٍ لعقاربِ الساعةِ ، حولَ مركزِ الكونِ ، الذي لا يَعْلَمُهُ إلا اللهُ ، سبحانهُ وتعالى. [7]

ويقومُ الحُجاجُ بَعدَ الطوافِ بالسعيِ بينَ الصفا والمروةِ ، المحاذيَيْنِ للكعبةِ المُشَرَّفَةِ ، وذلكَ في سبعِ مراتٍ ، محاكاةً لِمَا فعلتهُ هاجَرُ ، عليها السلامُ ، في محاولاتِها للبحثِ عَنِ الماءِ بعيداً عَنِ ابنِها إسماعيلَ ، عليهِ السلامُ ، والعودةِ السريعةِ خوفاً عليه. فسعتْ بين الصفا والمروةِ سبعَ مراتٍ ، حتى قامَ جبريلُ ، عليهِ السلامُ ، بِضربِ الصخرِ لتمكينِ ماءِ زمزمَ مِنَ الظهورِ إلى سطحِ الأرضِ ، لتشربَ هيَ وابنُها منهُ ، ومَنْ انضمَّ إليهِما مِنَ الناسِ بعدَ ذلكَ. [8]

ثُمَّ يذهبُ الحُجاجُ إلى مِنَى ، التي تبعدُ عَنِ البيتِ الحرامِ بحوالي سبع كيلومتراتٍ للراحةِ مِنْ عناءِ السفرِ ، حيثُ يُصَلُّونَ بها الظُّهرَ والعصرَ والمغربَ والعشاءَ والفجرَ ، قصراً مِنْ غيرِ جمع. وبعدَ طُلوع ِالشمسِ في اليومِ التاسعِ مِنْ ذي الحِجةِ ، يسيرُ الحُجاجُ إلى نَمِرَةَ ، فيبقونَ فيها إلى وقتِ الظهرِ ، ثمُ َّيسيرونَ إلى عَرَفَات (عَرَفَةَ) ، التي تبعدُ عَنِ البيتِ الحرامِ بحوالي عشرينَ كيلومتراً ، فيُصَلُّونَ الظهرَ والعصرَ ، ركعتينِ ركعتينِ ، يُجمعُ بينهما جَمعُ تقديم. وبَعدَ غروبِ الشمسِ ، يَسيرُ الحُجاجُ إلى مُزْدَلِفَةَ ، حيثُ يُصَلُّونَ المغربَ والعشاءَ ، بأذانٍ واحدٍ وإقامتين. ويبيتونَ بمزدلفةَ حتى طلوعِ الفجرِ ، فَيُصَلُّونَ الفجرَ بأذانٍ وإقامةٍ. وأثناءَ تأديةِ هذهِ المناسكِ ، يُكثرُ الحُجاجُ مِنْ ذِكرِ اللهِ وتعظيمِهِ وتحميدِهِ ، ومِنَ الدُّعاءِ بالخيرِ للنفسِ والأسرةِ والمجتمعِ.

وقبلَ طلوعِ شمسِ العاشرِ مِنْ ذي الحجةِ ، يعودُ الحُجاجُ إلى مِنَى لرميِ جَمَرَةِ الْعَقَبَةِ ، بسبعِ حَصَياتٍ متعاقباتٍ ، مُكبرينَ مَعْ رميِ كلِّ حَصَاة. ويلي ذلكَ ذبحُ الهَديِ (الذي يقومُ بهِ المطوفونَ في الغالبِ) ، وقصُّ الأظفارِ ، والاستحمامُ ، وارتداءُ الملابسِ العاديةِ ، وحَلقُ شعرِ الرأسِ أو تقصيرِهِ للذكورِ وقصُّ القليلِ مِنهُ للإناثِ. وذلكَ هوَ التحلُّلُ الأولُ ، الذي يُحِلُّ كلَّ شيءٍ إلا الجِماعَ. ثم يتوجهُ الحُجاجُ إلى مكةَ ،  لأداءِ طوافِ الإفاضةِ والسعيِّ بينَ الصفا والمروةِ، وبذلكَ يتحققُ التحلُّلُ الثاني ، الذي يُحَلِلُ كلَّ شيءٍ حرَّمَهُ الإحرامُ.

ثُمَّ يعودُ الحُجاجُ إلى مِنَى للراحةِ وأداءِ ما تبقَّى مِنْ مناسكِ الحَجِّ ، فيبيتونَ هناكَ ليلتيِّ الحادي عَشَرَ والثاني عَشَرَ مِنْ ذي الحجةِ ، لرميِ الجمراتِ الثلاثِ. وحينئذٍ ، يُمكنُ للحجاجِ الخروجُ مِنْ مِنَى أو التأخُرِ للثالثِ عَشَرَ ، ورميِ الجمراتِ الثلاثِ ، وهوَ الأفضلُ. وفي هذا المَنسَكِ تقليدٌ لِما فَعَلَهُ إبراهيمُ ، عليهِ السلامُ ، برميهِ الشيطانَ بالحجارةِ عندما حاولَ أنْ يُثنِيَهُ عَنْ طاعةِ أمرِ اللهِ ، عزَّ وجلَّ ، لهُ في اختبارِ الذبحِ ، الذي نجحَ فيهِ. وتُختمُ مناسِكُ الحَجِّ بطوافِ الوَداعِ ، حولَ الكعبةِ المشرَّفةِ ، قبلَ أنْ يُغادِرَ الحُجاجُ مكةَ المكرمةَ ، عائدينَ إلى بلدانِهِم. [9]

وبينما يقومُ حُجاجُ بيتِ اللهِ الحرامِ بأداءِ مَناسِكِهِم في المشاعرِ المقدسةِ ، يَحتفلُ المسلمونَ في شتَّى بِقاعِ الأرضِ بعيدِ الأضحى المبارك. فيتجمعونَ في المساجدِ والمُصلياتِ ، حيثُ تُقامُ صلاةُ العيدِ ، التي يسبِقُها الكثيرُ مِنَ التهليلِ والتحميدِ والتكبيرِ للهِ ، ربِّ العالمينَ ، والصلاةُ على رسولِهِ الكريمِ وأهلِ بيتهِ الأطهارِ ، والثناءُ على صحابتِهِ الأبرارِ. وبعدَ عودتِهِم إلى بيوتِهِم ، يقومُ القادرونَ منهُم بِذَبْحِ أُضحياتِهِم ، وإعطاءِ الفقراءِ والأصدقاءِ مِنْ لحومِها. ثُمَّ يَختمونَ هذا اليومَ السعيدَ بزيارةِ الأرحامِ والأقاربِ ، أو الاتصالِ بِهِم هاتفياً إنْ كانوا يعيشونَ في أماكنَ أو بلادٍ بعيدةٍ. [10]

***

الْخُلاًصَةُ 

الحَجُّ هوَ الفريضةُ الخامسةُ مِنَ العباداتِ في الإسلام. بِهِ أكملَ اللهُ ، سبحانهُ وتعالى ، دينَهُ ، وأتمَّ نعمتَهُ على البشرية. ومِنْ خلالِ أداءِ هذهِ الفريضةِ ، يُطبقُ المسلمونَ أعلى درجاتِ مكارمِ الأخلاقِ والمعاملةِ الطيبةِ ، ويتعارفونَ ، ويتساوونَ أمامَ اللهِ بِغَضِّ النظرِ عَنْ أحسابِهِم وأنسابِهِم وألوانِهِم ولغاتِهِم وثرواتِهِم. كما أنَّ الحَجَّ تَذكِرَةٌ بأنَّ دينَ اللهِ واحدٌ ، وإنْ تَعَدَّدَ الرُّسلُ ، أنزلَهُ اللهُ في أزمانٍ مختلفةٍ ، وختمَهُ بالقرآنِ الكريمِ ، الذي أنزلَهُ على خاتَمِ رسُلِهِ وأنبيائِهِ ، مُحَمَّدٍ ، عليهِ أفضلُ الصلاةُ والسلام.

ويُمَثِّلُ الحَجُّ معانيَ في غايةِ العمقِ والسُّموِ ، فهوَ يَرْبُطُ الأرضَ بالسماءِ ، مِنْ خلالِ زيارةِ بيتِ اللهِ الحرامِ ، والطوافِ حولَهُ ، كطوافِ الأجرامِ السماويةِ حولَ مَراكِزِها. كما أنهُ يمثلُ درجةً عاليةً مِنَ الإيمانِ ، حيثُ يَتركُ الحُجاجُ كلَّ شيءٍ في هذهِ الدُّنيا وراءَ ظهورِهِم ، ليكونوا ضُيوفاً للرَّحْمَـٰنِ في بيتِهِ الحرامِ ، فيفوزونَ بأعظمِ نِعَمِهِ ، ألا وهيَ رضاهُ ومحبتِهِ وجنةِ خلدِهِ.

 

 


 

مُلاحَظَاتٌ اسْتِطْرَادِيَّةٌ وَتَوْثيِقِيَّةٌ

***



[1] (صححهُ الألبانيُّ ، في غايةِ المرامِ: 313 ، وفي السِّلْسِلَةِ الصحيحةِ: 2700 ، وأخرجَهُ أبو نعيمٍ ، في حُليةِ الأولياءِ: 3/100 ، والبيهقيُّ ، في شُعَبِ الإيمانِ: 5137 ، باختلافٍ يسيرٍ. وقالَ النبيُّ ، صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، في نهايةِ هذا الحديثِ: "ألا هل بلَّغتُ؟ قالوا: بلى يا رسولَ اللهِ. قالَ: فيُبَلِّغُ الشاهدُ الغائبَ.").

[2] يُمْكِنُ مُشاهدةُ مَناسكَ الحجِّ المختلفةِ في العديدِ مِنَ الأشرطةِ المرئيةِ (الفيديوهاتِ) المنشورةِ على الشبكةِ العالمية (الإنترنت) ، مثلِ:

https://www.youtube.com/watch?v=m6t7_HLTRkk

 [3]  (صَحَّحَهُ الألبانيُّ ، في السِّلْسِلَةِ الصَّحِيحَةِ: 45 ، مُضيفاً: وفي روايةٍ "صالحَ الأخلاقِ" ، بدلاً منْ "مكارِمَ الأخلاقِ."  كما صَحَّحَهُ الزُّرقانيُّ ، في مُختَصَرِ الْمَقاصِدِ: 184. والروايةُ أخرجَها أحمدُ: 8952 ، والبيهقيُّ ، في شُعَبِ الإيمانِ: 7978 ، واللفظ ُلهما ، باختلافٍ يسيرٍ).

 [4] (أخرجَهُ البخاريُّ: 1521 ، ومسلمُ: 1350، في صَحِيحَيْهِما).

[5]  (حَسَّنَهُ الألبانيُّ ، في صحيحِ الجامعِ: 3170 ، وقالَ عنهُ في صحيحِ الترغيبِ أنَّهُ صحيحٌ لغيرِهِ: 1104. وأخرجَهُ أحمدُ: 14522 ، واللفظُ لَهُ ، والفاكهيُّ ، في أخبارِ مَكَّةَ: 879 ، والعُقيليُّ ، والطبرانيُّ ، في المُعجمِ الأوسطِ: 8405).

لكنَّ الألبانيُّ قد صَحَّحَهُ في روايةٍ أُخرى (الْعُمُرَةُ إلى الْعُمُرَةِ كفارَةٌ لما بينهما ، والْحَجُّ الْمَبْرُورُ ليسَ لَهُ جزاءٌ إلَّا الجنَّةَ) ، وذلكَ في صحيحِ الجامعِ:  4136. كما أخرَجَهُ البخاريُّ: 1773 ، ومسلمُ: 1349 ، في صَحِيحَيْهِما.

[6] ذَكَرَ المفسرونَ الثلاثةُ ، الطبريُّ والقرطبيُّ وابنُ كثيرٍ ، في تفسيرِهِم للآيةِ الكريمةِ 5: 3 ، بأنها نزلتْ على رسولِ اللهِ ، صلى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ ، في حِجَّةِ الْوَدَاعِ ، عشيةِ يومِ عرفةٍ ، وكانَ يومُ جُمُعَةٍ ، كما روى ذلكَ عُمَرُ بنُ الخطَّابِ وعليٌّ بنُ أبي طالبٍ ومعاويةُ بنُ أبي سُفيانَ وعبدُ اللهِ بنُ عباسٍ وسُمرَةُ بنُ جُندُبٍ ، رضيَ اللهُ عنهمُ جميعاً. وقالَ أسباطُ عَنْ السديِّ أنَّهُ لم ينزلْ بعدها حلالٌ ولا حرامٌ. ورجعَ رسولُ اللهِ ، صلى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ ، إلى المدينةِ المنورةِ ، وماتَ بعدَها بواحدٍ وثمانينَ يوماً.

نَصُّ خُطبةِ الْوَدَاعِ ، التي جاءَ سَنَدُها في أحاديثَ متفرقةٍ ، طِبقاً للألبانيِّ ، في فقه السِّيرَةِ: 454 ، ورواها الْبُخَارِي: 4406 ، ومسلمُ: 1679 ، في صَحِيحَيْهِما.

"أيُّها النَّاسُ: اسمعوا قولي ، فإنِّي لا أدري لعلِّي لا ألقاكم بعدَ عامي هذا ، بِهذا الموقِفِ أبدًا.

أيُّها النَّاسُ: إنَّ دماءَكم وأموالَكم عليْكُم حرامٌ ، إلى أن تلقَوا ربَّكم كحُرمةِ يومِكم هذا ، وَكحُرمةِ شَهرِكم هذا. وإنكم ستلقونَ ربَّكم ، فيسألُكم عن أعمالِكم.

وقد بلَّغتُ ، فمن كانت عندَهُ أمانةٌ فليؤدِّها إلى منِ ائتمنَهُ عليْها.

وإنَّ كلَّ ربًا موضوعٌ ، ولكن لَكم رؤوسُ أموالِكم ، لا تظلِمونَ ولا تُظلَمونَ. قضى اللَّهُ أنَّهُ لا ربًا ، وإنَّ ربا العبَّاسِ بنِ عبدِ المطَّلبِ موضوعٌ كلُّهُ.

وإنَّ كلَّ دمٍ كانَ في الجاهليَّةِ موضوعٌ. وإنَّ أوَّلَ دمائكم أضعُ دمَ ربيعةَ بنِ الحارثِ بنِ عبدِ المطَّلب ، وَكانَ مستَرضَعًا في بني ليثٍ ، فقتلتْهُ هُذيلٍ. فَهوَ أوَّلُ ما أبدأُ بِهِ من دماءِ الجاهليَّةِ.

أما بعدُ أيُّها النَّاس: إنَّ الشَّيطانَ قد يئِسَ أن يعبدَ في أرضِكم هذِهِ أبدًا ، ولَكنَّهُ أن يطاعَ فيما سوى ذلِكَ ، فقد رضِيَ بهِ ، مِمَّا تحقِّرونَ من أعمالِكم ، فاحذروهُ على دينِكُم.

أيُّها النَّاسُ: " إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ ۖ ، يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا ، يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا ،  لِّيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّـهُ ، فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّـهُ ۚ " (جزء من الآية الكريمة 9: 37) ، ويحرِّموا ما أحلَّ اللَّه.

وإنَّ الزَّمانَ قدِ استدارَ كَهيئتِهِ يومَ خلقَ اللَّهُ السَّمواتِ والأرضَ ، وَ "إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّـهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّـهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ۚ " (جزء من الآية الكريمة 9: 36) ، ثلاثةٌ متواليةٌ ، ورجبُ الَّذي بينَ جُمادى وشعبانُ.

أمَّا بعدُ أيُّها النَّاسُ: فإنَّ لَكم على نسائِكم حقًّا ، ولَهنَّ عليْكم حقًّا. لَكم عليْهنَّ أن لا يوطِئْنَ فُرُشَكم أحدًا تَكرَهونَه ، وعليْهنَّ أن لا يأتينَ بفاحشةٍ مبيِّنةٍ. فإن فعلنَ ، فإنَّ اللَّهَ قد أذنَ لَكم أن تَهجُروهنَّ في المضاجِعِ ، وتضرِبوهنَّ ضربًا غيرَ مبرِّحٍ. فإنِ انتَهينَ ، فلَهنَّ رزقُهنَّ وَكسوتُهنَّ بالمعروفِ. واستوصوا بالنِّساءِ خيرًا ، فإنَّهنَّ عندَكم عَوان لا يملِكنَ لأنفسِهنَّ شيئًا. وإنَّكم إنَّما أخذتُموهنَّ بأمانةِ اللَّهِ ، واستحللتُم فروجَهنَّ بِكلمةِ اللَّهِ.

فاعقلوا أيُّها النَّاسُ قولي ، فإنِّي قد بلَّغتُ. وقد ترَكتُ فيكم ما إنِ اعتصمتُم بِهِ فلن تضلُّوا أبدًا ، أمرًا بيِّنًا: كتابَ اللَّهِ وسنَّةَ نبيِّهِ .

أيُّها النَّاسُ ، اسمعوا قولي واعقِلوهُ: تعلمُنَّ أنَّ كلَّ مسلمٍ أخو للمسلِمِ ، وأنَّ المسلمينَ إخوَةٌ. فلا يحلُّ لامرئٍ من أخيهِ إلا ما أعطاهُ عن طيبِ نفسٍ منه ، فلا تظلِمُنَّ أنفسَكمُ.

اللَّهمَّ ، هل بلَّغتُ؟ قالوا: اللَّهمَّ نعَم. فقالَ رسولُ اللَّهِ ، صلَّى اللَّهُ عليهِ وسَلَّمَ: اللَّهمَّ اشْهَدْ" (مِنْ خُطبةِ الْوَدَاعِ ، التي جاءَ سَنَدُها في أحاديثَ متفرقةٍ ، طِبقاً للألبانيِّ ، في فقه السِّيرَةِ: 454 ، وقِسْمٌ كبيرٌ منها رواه مسلمُ).

https://dorar.net/hadith/search 

[7] أنظرْ الشريطَ المرئيَّ (الفيديو) ، الذي يتحدثُ فيهِ زغلولُ النجارِ ، عَنْ حِكمةِ الطوافِ حولَ الكعبةِ:

https://www.youtube.com/watch?v=pZJqbL6Czm4

وانظرْ أيضاً مقالةَ عِماد مُجاهد: "الإعجازُ العلميُّ في الطوافِ حولَ الكعبةِ الْمُشَرَّفَةِ" ، المنشورةَ في صحيفةِ الدستورِ الأردنيةِ ، في 23 تموز / يوليو 2012.

https://www.addustour.com/articles/876409-أسرار-الاعجاز-العلمي-في-القرآن-الكريم-الإعجاز-العلمي-في-الطواف-حول-الكعبة-المشرفة 

[8] أحاديثٌ شريفةٌ عَنْ السعيِّ بينَ الصفا والمروةَ ، وزمزمَ ، ورميِّ الجمراتِ:

قالَ جابرُ بنُ عبدِ اللهِ ، رضيَ اللهُ عنهما ، لخالتِهِ أمُّ المؤمنينَ عَائِشَةَ ، زَوْجِ النبيِّ ، صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ ، و(هو) يَومَئذٍ حَديثُ السِّنِّ: أرَأَيْتِ قَوْلَ اللَّهِ ، تَبَارَكَ وتَعَالَى: "إنَّ الصَّفَا والْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ فمَن حَجَّ البَيْتَ أوِ اعْتَمَرَ فلا جُنَاحَ عليه أنْ يَطَّوَّفَ بهِمَا" (الْبَقَرَةُ: 2: 158). فَما أُرَى علَى أحَدٍ شيئًا أنْ لا يَطَّوَّفَ بهِمَا؟ فَقالَتْ عَائِشَةُ: كَلَّا ، لو كَانَتْ كما تَقُولُ ، كَانَتْ: فلا جُنَاحَ عليه أنْ لا يَطَّوَّفَ بهِمَا. إنَّما أُنْزِلَتْ هذِه الآيَةُ في الأنْصَارِ ، كَانُوا يُهِلُّونَ لِمَنَاةَ ، وكَانَتْ مَنَاةُ حَذْوَ قُدَيْدٍ. وكَانُوا يَتَحَرَّجُونَ أنْ يَطُوفُوا بيْنَ الصَّفَا والمَرْوَةِ ، فَلَمَّا جَاءَ الإسْلَامُ ، سَأَلُوا رَسولَ ، اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ ، عَنْ ذلكَ. فأنْزَلَ اللَّهُ (الآيةَ الكريمةَ) (أخرجَهُ الْبُخَارِيُّ ، في صَحِيحِهِ: 4495 ، وصححهُ الألبانيُّ ، عن صحيحِ أبي داوودَ: 1901 ، وذلكَ بروايةِ عُروةَ بنِ الزُّبيرِ).

وَعَنْ عَمْرو بنِ دينارٍ ، رضيَ اللهُ عنهُ ، أنَّهُ قالَ: سَأَلْنَا ابْنَ عُمَرَ ، رَضِيَ اللَّهُ عنْهما ، عَنْ رَجُلٍ طَافَ بالبَيْتِ في عُمْرَةٍ ، ولَمْ يَطُفْ بيْنَ الصَّفَا والمَرْوَةِ ، أَيَأْتي امْرَأَتَهُ؟ فَقالَ: قَدِمَ النبيُّ ، صَلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، فَطَافَ بالبَيْتِ سَبْعًا ، وصَلَّى خَلْفَ المَقَامِ رَكْعَتَيْنِ ، فَطَافَ بيْنَ الصَّفَا والمَرْوَةِ سَبْعًا ، "لقَدْ كانَ لَكُمْ في رَسولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ" (الأحْزَابُ: 33: 21). وسَأَلْنَا جَابِرَ بنَ عبدِ اللَّهِ ، رَضِيَ اللَّهُ عنْهما ، فَقالَ: لا يَقْرَبَنَّهَا حتَّى يَطُوفَ بيْنَ الصَّفَا والمَرْوَةِ (البخاريُّ: 395 ، 1793 ، ومسلمُ: 1234 ، وذلكَ بروايةِ عبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ ، رضيَ اللهُ عنهما).

وَعَنْ عبدِ اللهِ بنِ عباسٍ ، رضيَ اللهُ عنهما ، أنَّ إبراهيمَ جاءَ بإسماعيلَ ، عليهما السلامُ ، وهاجَرَ. فوضعَهُما بمكةَ في موضعِ زمزمَ. فذَكَرَ الحديثَ ، ثم جاءتْ مِنَ المروةِ إلى إسماعيلَ وقد نَبَعَتْ العَيْنُ ، فجعلتْ تَفْحَصُ العَيْنَ بيدِها هكذا ، حتى اجتمع الماءُ مِنْ شِقِّهِ ، ثُمَّ تأخذُهُ بقَدَحِها فتجعلُهُ في سِقَائِها. فقالَ رسولُ اللهِ ، صلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ: "يَرحَمُها اللهُ ، ولو ترَكَتْها لكانتْ عينًا سائحةً تجري إلى يومِ القيامةِ" (صححهُ أحمدُ شاكر: 4\77 ، وشعيبُ الأرناؤوط: 2285 ، وأخرجَهُ أحمدُ: 2285 ، واللفظ له ، والطبريُّ في التفسير: 17/20).

وَعَنْ التابعيِّ مُحَمَّدٍ بنِ مُسلمٍ بنِ شِهابٍ الزُّهريِّ ، رضيَ اللهُ عنهُ ، أنَّ رسولَ اللهِ ، صلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ ، كانَ إذا رَمَى الجَمرةَ التي تَلي المسجِد ، مسجِدَ مِنًى ، يَرميها بسَبعِ حَصياتٍ ، يُكَبِّرُ كُلَّما رَمى بحَصاةٍ. ثم تقَدَّمَ أمامَها فوقَفَ مُستَقبِلَ البَيتِ ، رافِعًا يَدَيْه ويَدْعو ، وكان يُطيلُ الوُقوفَ. ثم يأتي الجَمرةَ الثانيةَ فيَرميها بسَبعِ حَصياتٍ ، يُكَبِّرُ كُلَّما رَمى بحَصاةٍ. ثم يَنحَدِرُ ذاتَ اليَسارِ ممَّا يَلي الواديَ ، فيَقِفُ مُستَقبِلَ البَيتِ رافِعًا يَدَيْه يَدْعو. ثم يأتي الجَمرةَ التي عِندَ العَقَبةِ ، فيَرميها بسَبعِ حَصياتٍ ، يُكَبِّرُ كُلَّما رَمى بحَصاةٍ. ثُمَّ يَنصَرِفُ ولا يَقِفُ عِندَها. قال الزُّهْريُّ: سمِعتُ سالِمَ بنَ عَبدِ اللهِ يُحَدِّثُ بهذا عن أبيه ، عنِ النَّبيِّ ، صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ. قالَ: وكانَ ابنُ عُمَرٍ يَفعَلُه (شعيب الأرناؤوط ، عن سنن الدارقطني: 2684 ، كما أخرجَهُ البخاريُّ في صَحِيحِهِ مُعَلَّقَاً).

[9] لمزيدٍ مِنَ التفصيلِ عَنْ مناسكِ الْحَجِّ ، أنظرْ صفحةَ وزارةِ الحَجِّ والعمرةِ بالمملكةِ العربيةِ السعوديةِ ، على الرابطينِ التاليينِ:

 https://www.haj.gov.sa/

https://www.youtube.com/watch?v=bxwwkHN3Noc (Arabic)

وَيُمْكِنُ للقُراءِ أيضاً الاطلاعُ على ما ذَكَرَهُ الألبانيُّ وابنُ عثيمينَ ، رَحِمَهُمَا اللهُ ، عَنْ مَناسِكِ الْحَجِّ ، على الروابطِ التاليةِ:

http://www.aljazeerah.info-IDescriptionof-Haj-and-Umrah-By-Al-Albaani-and-Ibn-Al-'Uthaymeen (بالإنكليزية)

https://islamqa.info/en/31822 (المنجد بالإنكليزية)

https://islamqa.info/ar/answers/31822/ صفة-الحج  (المنجد ، مناسك الحج)

https://islamqa.info/ar/articles/77/ الحج-فضله-ومنافعه (المنجد)

https://ar.islamway.net/article/2669/صفة-الحج-والعمرة (ابن عثيمين بالعربية)

https://www.noor-book.com/كتاب-اختصار-مناسك-الحج-والعمرة-للشيخ-الألباني-pdf

[10] عنِ ابنِ عباسٍ ، رضي الله عنهما ، أنَّه كان يُكبِّرُ عُقَيبَ صَلاةِ الغَداةِ يَومَ عَرَفةَ ، إلى آخِرِ أيَّامِ التَّشريقِ ، دُبُرَ كُلِّ صَلاةٍ ، يَقولُ: اللهُ أكبَرُ كَبيرًا ، اللهُ أكبَرُ كَبيرًا ، اللهُ أكبَرُ ، وللهِ الحَمدُ ، اللهُ أكبَرُ وأجَلُّ ، اللهُ أكبَرُ ما هَدانا (صَحَّحَهُ شعيبٌ الأرناؤوط ، في تخريجِ شرحِ السُّنَّةِ: 146\7).

وَعَنْ عبدِ اللهِ بنِ عُمُرَ ، رَضِيَ اللهُ عنهُما ، أنَّهُ قالَ: بينَما نحنُ نُصَلِّي مَعَ رسولِ اللَّهِ ، صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ ، إذ قالَ رجلٌ مِنَ القومِ: "اللَّهُ أَكْبَرُ كبيرًا ، والحمدُ للَّهِ كثيرًا ، وسُبحانَ اللَّهِ بُكْرةً وأصيلًا." قالَ رسولُ اللَّهِ ، صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ: "مَنَ القائلُ كذا وَكَذا؟" فقالَ رجلٌ منِ القومِ: أَنا ، يا رسولَ اللَّهِ. قالَ: "عَجِبْتُ لَها ، فُتِحَت لَها أبوابُ السَّماءِ." قالَ ابنُ عُمَرَ: "ما ترَكْتُهُنَّ منذُ سَمِعْتُ مِن رسولَ اللَّهِ ، صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ" (صَحَّحَهُ الألبانيُّ ، عَنْ صحيحِ الترمذيِّ: 3592 ، واللفظُ له ، وأخرجَهُ مُسلمُ: 601 ، والنسائيُّ: 886 ، وأحمدُ: 4627 ، باختلافٍ يسيرٍ).

وَتُبَيِّنُ لنا الآثارُ المرويةُ عَنْ الصحابةِ والتابعينَ ، رِضوانُ اللهِ عليهِمُ ، أنَّهُ لم تكنْ هُناكَ صيغةٌ معينةٌ للتكبيرِ في العيدِ. وقد أدخلَ الصحابةُ مَعَ التكبيرِ تحميداً وتهليلاً وثناءً ودعاءً. وأجاز العلماءُ المعاصرونَ ، مثلُ ابنُ بازٍ ، التكبيرَ الفرديِّ في المساجدِ قبلَ الصلاةِ ، ولكنهم اعتبروا التكبيرَ الجمعيَّ بدعةً ينبغي تجنبُها.

حكم التكبير الجماعي قبل صلاة العيد (binbaz.org.sa)

وقد ذَكَرَ الشافعيُّ وابنُ قُدامةَ والنوويُّ ، رَحِمَهُمُ اللهُ ، صيغاً متعددةً للتكبيرِ والشائعُ منها في بلادٍ إسلاميةٍ عديدةٍ ، ما يلي:

الله أكبر ، الله أكبر ، الله أكبر ، لا إله إلا الله. 

الله أكبر ، الله أكبر ، الله أكبر ، ولله الحمد. 

اللهُ أكبرُ كبيرا ، والحمدُ للهِ كثيرا ، وسبحانَ اللهِ بكرةً وأصيلا. 

اللهمَّ صلِّي على سيدنا محمد ، وعلى آلِ سيدنا محمد

وعلى أزواجِ سيدنا محمد ، وعلى أصحابِ سيدنا محمد

وعلى ذريةِ سيدنا محمدٍ ، وسلم تسليماَ كثيرا. 

لا إلهَ إلا الله ، ولا نعبدُ إلا إياه ، مخلصينَ لهُ الدينَ ، ولو كرهَ الكافرون.

لا إلهَ إلا الله وحده ، نصرَ عبده ، وأعزَّ جنده ، وهزمَ الأحزابَ وحده 

الله أكبر ، الله أكبر ، الله أكبر ، لا إله إلا الله. 

الله أكبر ، الله أكبر ، الله أكبر ، ولله الحمد.

***

مصادر عن التكبيرات:

التكبير في العيدين أنواعه وصيغه (islamweb.net)

http://albayan.co.uk/article2.aspx?ID=3046 

https://www.albawabhnews.com/1512547 

https://www.elwatannews.com/news/details/527662